السيد محمد حسين فضل الله

61

من وحي القرآن

والتقوى ، واجتباهم لرسالته ولدينه . إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا في ما يمثله السجود من خضوع للّه في الشعور العميق بالعبودية ، وفي ما يعتبر عنه البكاء من إحساس بالروحية الفيّاضة الخاشعة أمام خوف اللّه ، ومحبته في انفعال إيماني عميق بالمضمون الروحي لآيات اللّه ، والإشراق الفكري لمعانيها . وهكذا كان هؤلاء الروّاد طليعة البشرية في حركة التسامي والعلاء ، والصفاء الروحي ، والإسلام للّه ، ولكن الجيل الآتي من بعدهم ، لم ينفعل بهم ، ولم يسلك طريقهم ، ولم يحمل رسالتهم ، ولم يتحمل مسئوليتهم ، بل كان سائرا في خط الانحراف . فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والخلف بالسكون هو البديل السيّئ ، وبالتحريك البديل الصالح - كما يقال - ، أَضاعُوا الصَّلاةَ لأنهم لم ينفتحوا على ما تحمله من سر الاعتراف بالعبودية ، وعمق الإيمان باللّه ، ومعني العروج الروحي عبرها إليه ، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ في ما تأمرهم به أهواؤهم المنحرفة ، وتقودهم إليه أحلامهم المائعة ، بعيدا عن خط الاستقامة ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا في ما يلاقونه من جزاء الغي مجسّدا في عذاب اللّه . وهؤلاء ، هم الذين امتدوا بالغي والانحراف حتى جاءهم أمر اللّه وهم كافرون . الجنة سلام إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وعاش خط الاستقامة في العقيدة والعمل ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ جزاء لما قدموه من إيمان وعمل ، وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً من ذلك كله لأن اللّه لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى ، جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة الخالدة في الجنة ، الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ الذي يعيشونه من وحي الإيمان فيؤمنون به وإن لم يروه ، إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا